حبيب الله الهاشمي الخوئي
310
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وتضرّعت إليه مدّة حتّى رقّ قلبه فدعا بأن يصيّرها اللَّه على صورتها الأولى ، فضاعت الدّعوات الثلاث فيها وهي كما كانت بشوم مشاورة المرأة . وحكى أنّ خسرو الملك أتى إليه رجل بسمكة كبيرة فأمر له بأربعة آلاف درهم فقالت شيرين فكيف تصنع إذا احتقر من أعطيته شيئا من حشمك وقال : أعطاني ما أعطى الصّياد أو أقلّ ، فقال خسرو الملك إنّ الرّجوع عن الهبة قبيح خصوصا من الملوك فقالت شيرين : التّدبير أن تدعوه وتقول له هذه السّمكة ذكر أو أنثى ، فان قال ذكر فتقول له إنّما أردت أنثى ، وإن قال أنثى فتقول له إنّما أردت ذكرا فاستدعاه فسأله عن ذلك فقال : أيّها الملك إنّها خنثى لا ذكر ولا أنثى ، فاستحسن جوابه وأمر له بأربعة آلاف درهم أخرى ، فلمّا تسلَّم الصيّاد ثمانية آلاف درهم من الخزّان ورجع سقط منها في الطريق درهم فاشتغل بأخذ الدّرهم الساقط فقالت شيرين للملك : انظر إلى خسّته وغلبة حرصه ، فاستدعاه وسأله عن غرضه في اشتغاله بأخذه فقال أيّها الملك : كان عليه اسمك وحكمك فخفت أن يطأه أحد برجله غافلا عنه ، فاستحسن أيضا جوابه وأمر له بأربعة آلاف درهم أخرى وذهب الصّياد باثني عشر ألف درهم . وفي موضع آخر منه أنّ كلّ فتنة وقعت في العالم فانّما جاءت من قبلهنّ وذلك : إنّ الفتنة الأولى وهى اكل آدم من الشّجرة واخراجه إلى الأرض إنّما جاء من قبل حوّا ، لأنّ آدم لمّا لم يقبل وساوس الشيطان وسوس إلى حوّاء فجاءت إلى آدم وكلَّمته في أمر الأكل من الشّجرة حتى حملته عليه . وأمّا الفتنة الأخيرة التي نشأ منها خراب العالم وهي غصب خلافة أمير المؤمنين عليه السّلام واستظهارهم واتّفاقهم على عداوته فانّما جاء من قبل عايشة وعداوتها وحسدها لفاطمة عليها السّلام بسبب أن النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كان يظهر المحبّة لها ولولديها فغارت من هذا عايشة وأضمرت العداوة لها ثمّ أظهرتها فتخطت تلك العداوة من النّساء إلى الرّجال فبغض عليا عليه السّلام أبو بكر وعمر ففعلا ما فعلا وفعلت عايشة بعدهما ما فعلت .